عبد الرزاق اللاهيجي

67

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

قوله قد يعقلان معا إذا كان دفعا للرد المذكور فلا بد من قوله معا إذ ذلك الرد يندفع بان يضاف العدم إلى الوجود ليصير متميّزا فلا بد من تعقل الوجود أيضا ثم أقول لا يبعد ان يكون قوله وقد يعقلان معا إشارة إلى ما أشرنا إليه من امكان تعقل كل من مفهومي الوجود والعدم من دون اضافته ونسبته إلى شيء ما أصلا فان ذلك وان كان في الوجود اظهر لكون العدم يحتاج في تعقله إلى تعقل الوجود لكونه رفعا له لكن بعد تعقل الوجود لا يحتاج إلى تعقل شيء آخر فعند تعقل الوجود والعدم معا لا يحتاج إلى شيء من الأشياء أصلا فليتدبر وقد يؤخذ الوجود مقيّدا باعتبار اضافته ونسبته إلى ماهية معينة كوجود البصر لزيد ووجود الكتابة للانسان فيقال زيد موجود كاتبا أو زيد موجود له البصر والانسان موجود له الكتابة وقد يشتق من ذلك القيد الّذي هو ماهية مخصوصة كالبصر والكتابة اسم مثل البصير والكاتب فيقال زيد بصير والانسان كاتب أو يضاف لفظة ذو إلى ذلك القيد فيقال زيد ذو بصر والانسان ذو كتابة والجسم ذو سواد وهذا هو الوجود المقيد كما عرفت فيقابله عدم مثله في اعتبار التقييد والإضافة إلى ماهية بعينها وهو العدم المقيد ويقال له عدم الملكة فان الملكة عبارة عن ذلك الامر الوجودي الّذي قيد به الوجود المقيد اعني الماهية المخصوصة وقد يوضع لذلك العدم اسم خاص مثل العمى لعدم البصر والأمية لعدم الكتابة فيقال زيد أعمى أو أمّي ومقابله ذلك العدم مع الوجود الّذي هو رفع له ومنسوب إليه هو المعروف بتقابل العدم والملكة ويفتقر ذلك العدم إلى الموضوع كافتقار الملكة إليه فان الملكة لما كانت موجودة لغيرها فذلك الغير هو موضوعها فهي محتاجة لا محالة في وجودها إلى ذلك الموضوع ولا بد في ذلك الموضوع من قابلية لتلك الملكة ضرورة امتناع ان يكون كل شيء موضوعا لكل شيء فوجود الملكة لما كان لموضوع قابل كان عدمها أيضا عن موضوع قابل فهو ليس عدما صرفا بل معتبر فيه النسبة إلى امر وجودي فهو وجودي لذلك الاعتبار فلا بد له من موضوع موجود يقوم ذلك العدم به كما في الملكة فالمراد من الموضوع هو الموضوع الموجود في الخارج والّا لما اختص هذا الحكم بالوجود والعدم المقيدين ولما اعتبر في عدم الملكة كون الموضوع قابلا للملكة وقابلية الشيء للشيء قد يكون بالشخص اعني ان يكون شخص ذلك الشيء قابلا له وقد يكون بالنوع اعني ان يكون نوع ذلك الشيء قابلا له وان لم يكن ذلك الشخص منه قابلا له وقد يكون بالجنس اعني ان يكون جنس ذلك الشيء وان كان في ضمن أنواع اخر قابلا له ولم يكن ذلك النوع قابلا له مثال الأول أعمى لمن ولد بصيرا ثم زال بصره ومثال الثاني هو لمن ولد غير بصير ومثال الثالث هو العقرب مثلا وإلى هذا أشار المصنف بقوله وقد يؤخذ اى الموضوع شخصيّا ونوعيّا وجنسيّا فعلى الأول إذا كانت قابلية الشخص للملكة في وقت اتصافه بالعدم كما في عدم اللحية لمن جاوز حدّ الامردية فيقال لهما العدم والملكة المشهوران وعلى الأخيرين وكذا على الأول إذا لم يكن القابلية في وقت الاتصاف كما في عدم اللحية للأمرد يقال لهما العدم والملكة الحقيقيان واعلم أن الملكة وعدمها إذا اخذا بسيطين فالتقابل بينهما تقابل العدم والملكة مثل الكتابة واللاكتابة والبصر والعمى وإذا وجب أو سلب امدهما بعينه كان التقابل بينهما اعني بين النسبتين تقابل السلب والايجاب مثل زيد كاتب وزيد ليس بكاتب وإذا أوجب أو سلب كلاهما فالنسبتان متنافيتان وليستا بمتقابلتين